عبد الملك الجويني
209
الشامل في أصول الدين
الأجزاء والتأليف ، وهو صيغة مقتضبة من الجسم ، فإذا دلت في بناء التفضل على المفاضلة في معنى ، وجب دلالة أصل اللفظ على ذلك المعنى . والذي يوضح ذلك أن الأعلم لما أنبأ عن التفاضل في العلم ، وكان مأخوذا من العلم ، أنبأ أصل العلم عن ما دل عليه الأعلم ، ووضوح ذلك يغني عن بسطه . وللخصوم على الدلالة التي ذكرناها أسئلة يهون دفعها . فمما راموا الاعتراض به أن قالوا : معولكم على الأجسم ومعناه . والأجسم ليس من لغة العرب ، وربما يسندون ذلك إلى ابن دريد « 1 » صاحب « الجمهرة » « 2 » ، فيقولون : سئل ابن دريد عن الأجسم ، فقال : لا أعرفه . وهذا الذي ذكروه مباهتة ومناكرة ، لما ظهر واشتهر وانتشر . فإنا نعلم أن من تخلل خلل أعراب البوادي ، وعبّر بالأجسم عن الأضخم ، لما أنكروا عليه مقاله . والذي يوضح ذلك أنهم لما قالوا : جسم المرء جسامة ، كما قالوا : بدن بدانة ، فأصدروا عن الجسم أو الجسامة وجوه الأفعال ، واشتهر منهم التفعيل ، فيقولون : جسم الشيء تجسيما . ومن أوضح ما يدل على ذلك إطلاقهم الجسيم ، وهذا من البناء في القياس المطرد ، يترتب على فعل ، يفعل . فإنهم يقولون : كرم فهو كريم ، وظرف فهو ظريف . ومن ذلك قال أهل العربية لما قيل لهم : الأفعل على اقتضاء المفاضلة ، إنما يجري في الأفعال الثلاثية دون غيرها ، ونحن نجد العرب تقول : فلان أفقر من فلان ، وما استعملوا فيه فعلا ثلاثيا . فقالوا مجيبين : من أصل لغتهم تقدير الفعل الثلاثي صادرا من الفقر ، وإن أضافوه في
--> ( 1 ) محمد بن الحسن بن دريد الأزدي ( 223 - 321 ه - 838 - 933 م ) من أزد عمان من قحطان ، أبو بكر من أئمة اللغة والأدب . ولد في البصرة ، وانتقل إلى عمان فأقام اثني عشر عاما ، وعاد إلى البصرة ، ثم رحل إلى نواحي فارس ، فقلده « آل ميكال » ديوان فارس ، ومدحهم بقصيدته « المقصورة » ثم رجع إلى بغداد ، واتصل بالمقتدر العباسي فأجرى عليه في كل شهر خمسين دينارا ، فأقام إلى أن توفي . ومن كتبه « الاشتقاق » و « المقصور والممدود » و « الجمهرة » في اللغة ، وغير ذلك . الأعلام 6 / 80 ، ولسان الميزان 5 / 132 ، وكشف الظنون 1 / 605 ، ووفيات الأعيان 4 / 323 . ( 2 ) كتاب « الجمهرة » في اللغة : وهو كتاب معتبر في مجلد ذكر فيه أنه ألفه لأبي العباس إسماعيل بن عبد اللّه بن محمد بن ميكال أورد في أوله ذكر الحروف المعجمة وذكر كتاب العين للخليل وصعوبته فمدحه ثم قال : اخترنا بناءه على تأليف الحروف المعجمة لكونها أنفذ وكان علم العامة بها كعلم الخاصة ، فبدأ بالثنائي ثم بالثلاثي ثم بالرباعي ثم ملحق الرباعي وكذا الخماسي والسداسي وملحقاتها ، وجمع النوادر في باب مفرد قال : وسميناه بذلك لأنا اخترنا له الجمهور من كلام العرب . يقال : إنه أملى الجمهرة في فارس ثم أملاها بالبصرة ثم ببغداد من حفظه ولذلك تختلف النسخ . كشف الظنون 1 / 605 .